ابن قيم الجوزية
444
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأيضا : فالرضى به ربا يتضمن توحيده وعبادته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه ، وخوفه ورجاءه ومحبته ، والصبر له وبه . والشكر على نعمه : يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسانا ، وإن ساء عبده . فالرضا به يتضمن « شهادة أن لا إله إلا اللّه » والرضى بمحمد رسولا . يتضمن « شهادة أن محمدا رسول اللّه » والرضى بالإسلام دينا : يتضمن التزام عبوديته ، وطاعته وطاعة رسوله . فجمعت هذه الثلاثة الدين كله . وأيضا : فالرضى به ربا يتضمن اتخاذه معبودا دون ما سواه . واتخاذه وليا ومعبودا ، وإبطال عبادة كل ما سواه . وقد قال تعالى لرسوله : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً [ الأنعام : 114 ] وقال : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [ الأنعام : 14 ] وقال : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 164 ] فهذا هو عين الرضى به ربا . وأيضا : فإنه جعل حقيقة الرضى به ربّا : أن يسخط عبادة ما دونه . فمتى سخط العبد عبادة ما سوى اللّه من الآلهة الباطلة ، حبا وخوفا ، ورجاء وتعظيما ، وإجلالا - فقد تحقق بالرضى به ربا ، الذي هو قطب رحى الإسلام . وإنما كان قطب رحى الدين : لأن جميع العقائد والأعمال ، والأحوال : إنما تنبني على توحيد اللّه عزّ وجلّ في العبادة ، وسخط عبادة ما سواه . فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليه . ومن حصل له هذا القطب ثبتت له الرحى . ودارت على ذلك القطب . فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام . فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم . وأيضا : فإنه جعل حصول هذه الدرجة من الرضى موقوفا على كون المرضي به ربّا - سبحانه - أحبّ إلى العبد من كل شيء ، وأولى الأشياء بالتعظيم ، وأحق الأشياء بالطاعة . ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية ، وينظم فروعها وشعبها . ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب : كل ذلك الميل حاملا على طاعته وتعظيمه . وكلما كان الميل أقوى : كانت الطاعة أتم ، والتعظيم أوفر . وهذا الميل يلازم الإيمان ، بل هو روح الإيمان ولبّه . فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون اللّه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد ، وأولى الأشياء بالتعظيم ، وأحق الأشياء بالطاعة ؟ . وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان . كما في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما . ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا للّه . ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر - بعد إذ أنقذه اللّه منه - كما يكره أن يلقى في النار » . فعلق ذوق الإيمان بالرضى باللّه ربا . وعلق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه . ولا يتم إلا به ، وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله . ولما كان هذا الحب التام ، والإخلاص - الذي هو ثمرته - أعلى من مجرد الرضى بربوبيته سبحانه : كانت ثمرته أعلى . وهي وجد حلاوة الإيمان . وثمرة الرضى : ذوق طعم الإيمان . فهذا وجد حلاوة ، وذلك ذوق طعم . واللّه المستعان . وإنما ترتب هذا وهذا على الرضى به وحده ربا ، والبراءة من عبودية ما سواه ، وميل القلب بكليته إليه ، وانجذاب قوى المحب كلها إليه . ورضاه عن ربه تابع لهذا الرضى به . فمن رضي